وهبة الزحيلي

273

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم ذكر اللّه تعالى أن صفاتهم القبيحة في الجبن والبخل والخوف ملازمة لهم على الدوام ، وليست مجرد أمر عارض مؤقت ، فقال : يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا أي يظنون من شدة الخوف والفزع أن أحزاب الكفر من قريش وغطفان وبني قريظة لم يرحلوا ولم ينهزموا ، وأن لهم عودة إلى الحصار والحرب ؛ فكأنهم عند حضورهم غائبون عن الساحة حيث لا يقاتلون ، مع أن الأحزاب رحلوا وانهزموا ولن يعودوا . وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ ، يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ أي وإن يعد الأحزاب إلى قتالكم ، يتمنوا أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة وبين المقاتلين ، بل يكونون في البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم للشماتة بكم ، وانتظار وقوع السوء بكم ، وجبنا وخورا في العزائم . وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا أي ولو كان هؤلاء المنافقون معكم في ساحة المعركة لما قاتلوا إلا قتالا يسيرا وزمنا قليلا ، لاستيلاء الجبن والضعف عليهم . ثم لفت نظرهم ونظر غيرهم إلى ضرورة التأسي بالقائد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً هذا أمر من اللّه تعالى بالتأسي بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الأحزاب وغيره في أقواله وأفعاله وأحواله ، وصبره ومصابرته ومجاهدته وانتظار الفرج من ربه عز وجل ، والمعنى : لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة صالحة ومثل أعلى يحتذي به ، فهلا اقتديتم وتأسيتم بشمائله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو مثل أعلى في الشجاعة والإقدام والصبر والمجالدة ، إذا كنتم تريدون ثواب اللّه وفضله ، وتخشون اللّه وحسابه ،